محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نكاحهن ، يعني : نكاح الإماء خير لكم . حدثني المثنى ، قال : ثنا حبان بن موسى ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية في قوله : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ قال : أن تصبروا عن نكاح الإماء خير لكم . حدثني المثنى ، قال : ثنا حبان ، قال : ثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرنا ابن طاوس ، عن أبيه طاوس : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ قال : أن تصبروا عن نكاح الأمة خير لكم . حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ قال : وأن تصبروا عن نكاح الأمة خير لكم . و " أن " في قوله : وَأَنْ تَصْبِرُوا في موضع رفع ب " خبر " ، بمعنى : والصبر عن نكاح الإماء خير لكم . القول في تأويل قوله تعالي : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ حلاله وحرامه ، وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يقول وليسددكم سنن الذين من قبلكم ، يعني : سبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه ومناهجهم ، فيما حرم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات ، وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بين فيهما ما حرم من النساء . وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يقول : يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبل الإسلام ، وقبل أن يوحي ما أوحى إلى نبيه من ذلك عليكم ، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم . يقول : والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم ، وغير ذلك من أمورهم ، وبما يأتون ويذرون ما أحل أو حرم عليهم حافظ ذلك كله عليهم ، حكيم بتدبيره فيهم في تصريفهم فيما صرفهم فيه . واختلف أهل العربية في معنى قوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ فقال بعضهم : معنى ذلك ، يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ، وقال : ذلك كما قال : وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ بكسر اللام ، لأن معناه : أمرت بهذا من أجل ذلك . وقال آخرون : معنى ذلك : يريد الله أن يبين لكم ، ويهديكم سنن الذين من قبلكم ؛ وقالوا : من شأن العرب التعقيب بين كي ولام كي وأن ، ووضع كل واحده منهن موضع كل واحدة من أختها مع أردت وأمرت ، فيقولون : أمرتك أن تذهب ولتذهب ، وأردت أن تذهب ولتذهب ، كما قال الله جل ثناؤه : وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وقال في موضع آخر : " أمرت أن أكون أول من أسلم " ، وكما قال : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ ثم قال في موضع آخر : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا واعتلوا في توجيههم " أن " مع " أمرت " و " أردت " إلى معنى " كي " وتوجيه " كي " مع ذلك إلى معنى " أن " لطلب " أردت " و " أمرت " الاستقبال ، وأنها لا يصلح معها الماضي ، لا يقال : أمرتك أن قمت ولا أردت أن قمت . قالوا : فلما كانت " أن " قد تكون مع الماضي في غير " أردت " و " أمرت " ، ذكروا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال ، من " كي " واللام التي في معنى " كي " ؛ قالوا : وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانا في الحرف الواحد ، فقال قائلهم في الجمع : أردت لكيما أن تطير بقربتي * فتتركها شنا ببيداء بلقع فجمع بينهن لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن ، كما قال الآخر : قد يكسب المال الهدان الجافي * بغير لا عصف ولا اصطراف فجمع بين " غير " و " لا " ، توكيدا للنفي ؛ قالوا : وإنما يجوز أن يجعل " أن " مكان كي ، وكي مكان أن في الأماكن التي لا يصحب جالب ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل ؛ فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير المستقبل فلا يجوز ذلك . لا يجوز عندهم أن يقال : ظننت ليقوم ، ولا أظن ليقوم ، بمعنى : أظن أن يقوم ، لأن التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي من الفعل ، يقال : أظن أن قد قام زيد ومع المستقبل ومع الأسماء . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال : إن اللام في قوله ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ بمعنى : يريد الله أن يبين لكم ؛ لما ذكرت من علة من قال إن ذلك كذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يعني